ابن فهد الحلي
217
عدة الداعي ونجاح الساعي
ولده ) ( 1 ) ويشتغل فيه الصديقون بأنفسهم ويقول كل واحد نفسي نفسي فضلا من غيرهم ، فلا ينبغي ان يصحب معه غير الخالص من العمل ، فكما ان المسافر إلى البلد البعيد المشفق لا يصحب معه الا خالص الذهب طلبا للخفة وكثرة الانتفاع به عند الحاجة إليه ، ولا حاجة أعظم من فاقة القيامة ، ولا عمل أنفع من الخالص لله ، فهو أنفس الذخائر وأحفظها حملا بل هو يحمل صاحبه على ما ورد في تفسير قوله تعالى ( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ) ( 2 ) ان العمل الصالح يقول لصاحبه عند أهوال القيامة : اركبني ولطال ما ركبتك في الدنيا فيركبه ويتخطى ( 3 ) به شدايدها . وروى داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ان العمل الصالح ليمهد لصاحبه في الجنة كما يرسل الرجل غلامه بفراشه فيفرش له ، ثم قرء ( ومن عمل صالحا فلا نفسهم يمهدون ) ( 4 ) فمن أحضر في قلبه الآخرة وأهوالها ومنازلها الرفيعة عند الله استحقر ما يتعلق بالخلق أيام الحياة مع ما فيه من الكدورات والمنغصات جمع همه ، وصرف إلى الله قلبه وتخلص من مذلة الرياء ومقاسات قلوب الخلق ، وانعطف من اخلاصه أنوار على قلبه ينشرح بها صدره وينطق بها لسانه ، وينفتح له من الطاف الله ما يزيده الله انسا ومن الناس وحشة ، واحتقارا للدنيا واعظاما للآخرة ، وسقط محل الخلق عن قلبه ، وانحل عنه داعية الرياء ، وآثر الوحدة وأحب الخلوة ، وهطلت ( 5 ) عليه سحائب ا لرحمة ، ونطق لسانه بطرائف الحكمة .
--> ( 1 ) لقمان : 32 . ( 2 ) الزمر : 62 . ( 3 ) تخطيب الشئ : تجاوزته ( المجمع ) . ( 4 ) الروم : 43 . ( 5 ) الهطل : تتابع المطر ( المجمع ) .